تفاصيل الخبر
آخر المقالات
تابعونا على
"غِراس".. تجربة تعليمية تفتح للمرأة طريقًا لمواصلة التعلّم
انطلق برنامج "غِراس" لمحو الأمية وتعليم القراءة والكتابة من حاجة ميدانية رصدتها شعبة التوجيه الديني النسوي التابعة لمكتب المتولّي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العبّاسية المقدّسة لدى نساء حالت ظروف مختلفة دون حصولهنَّ على فرصة التعليم؛ ليصبح منذ عام 2017م تجربة تعليمية مستمرّة ضمن مشروع مراكز البدر التثقيفية. وطوال سنوات عمله، واصل البرنامج إقامة دروسه في المواقع التي تستدعي الحاجة، معتمدًا على ملاكات تعليمية متخصّصة تتابع المتعلّمات وتراعي مستوياتهنَّ، فيما شكّلت القراءة والكتابة نقطة البداية لمسار أوسع في التعلّم واكتساب المعرفة. وتحتفي العتبة العبّاسية المقدّسة سنويًا بالدارسات في ختام المراحل التعليمية، فتوزّع النتائج وتكرّم المشاركات تقديرًا لجهودهنَّ ومثابرتهنَّ، وفي نسخته الأخيرة شهد حفل "غِراس" حضور أكثر من 300 مشاركة، في مشهد جمع حصيلة عام من الدروس وقصص نساء اخترنَ العودة إلى التعليم في مراحل مختلفة من حياتهنَّ. من حاجة ميدانية إلى برنامج تعليمي لم تأتِ فكرة تعليم النساء القراءة والكتابة من تصوّر نظري، بل كشفت الزيارات واللقاءات الميدانية التي أجرتها شعبة التوجيه الديني النسوي عن وجود نساء لا يمتلكنَ المهارات الأساسية للقراءة والكتابة، الأمر الذي دفع إلى تنظيم دروس تستجيب لهذه الحاجة وتمنحهنَّ فرصة التعليم في بيئات قريبة من أماكن سكنهنَّ. وبدأت تجربة البرنامج في عام 2017م، مستندة إلى جهود شعبة التوجيه الديني النسوي في مجال التعليم والتثقيف، ثم توسّعت مواقع إقامة الدروس تبعًا للحاجة والطلبات الواردة، حتى امتدّت تجربة "غِراس" إلى 18 موقعًا في عموم محافظة كربلاء المقدّسة. دروس منتظمة تراعي مستوى المتعلّمات تقام دروس البرنامج بواقع يومين في الأسبوع، ولمدّة ساعتين في اليوم، وتُقدَّم من قِبل ملاكات تعليمية خضعت للتدريب في طرائق التدريس بما يتناسب مع مستويات الدارسات وطبيعة المرحلة التعليمية. ويبدأ المسار من المهارات الأساسية في القراءة والكتابة، مع مراعاة الفروق بين المتعلّمات ومستوياتهنَّ، ممّا يتيح لهنَّ التقدّم تدريجيًا في التعلّم، مثلما يرتبط افتتاح المواقع بالحاجة الفعلية والطلبات التي ترد إلى الشعبة؛ لتكون الدروس متاحة في المناطق التي تحتاج إليها. وتتخلّل البرنامج أوقات يتوقّف فيها، تفرضها طبيعة الموسم الديني والتقويم العام، منها شهر رمضان المبارك ومحرّم الحرام وصفر، فضلًا عن التوقّف أيام جائحة كورونا، قبل استئناف الدروس ومواصلة تعليم المشاركات. القراءة تغيّر علاقة المرأة بالتعلّم تتجاوز أهمّية تعلّم القراءة والكتابة القدرة على التعامل مع الكلمات والعبارات، إذ تمنح المرأة وسيلة للتعامل بصورة أكثر استقلالًا مع ما تقرؤه في حياتها اليومية، وتساعدها في متابعة تعليم أبنائها، والاقتراب من الكتب والمصادر التي كانت بعيدة عنها. وتتحدّث طالبات البرنامج عن هذه التحوّلات من واقع تجربتهنَّ، إذ اجتمعت مشاركتهنَّ على رغبة مشتركة في تعلّم القراءة والكتابة والاقتراب من كتاب الله تعالى، ثم توسيع معارفهنَّ ومواصلة التعليم بعد سنوات حالت فيها ظروف الحياة دون الانتظام في الدراسة. وقالت السيدة بدور علي التي ألقت كلمة نيابة عن المشاركات في حفل التكريم: إنّ الدروس أتاحت للطالبات فرصة للتعلّم بعد أن حالت ظروف الحياة دون حصولهنَّ عليها في سنوات سابقة، مؤكّدةً أنّ طلب العلم لا يرتبط بعمر محدّد، وأنّ كلّ مرحلة يمكن أن تكون بداية جديدة. من القراءة إلى مواصلة الدراسة تُظهر تجربة "غِراس" أنّ تعلّم القراءة والكتابة يمكن أن يكون مدخلًا إلى مراحل أخرى من التعليم، فالمهارة التي تبدأ من معرفة الحرف وكتابته تتيح للمتعلّمة التعامل مع النصوص والكتب، وتمنحها أساسًا يساعدها في تطوير معارفها؛ لذلك تتّصل تجربة محو الأمية في مراكز البدر بمسار أوسع من الدروس الدينية والثقافية، ممّا يتيح للدارسات الانتقال من المهارات الأساسية إلى مجالات معرفية أخرى بحسب المستوى والمرحلة التي تصل إليها كلّ متعلّمة. التعليم بوصفه فرصة متاحة وفي حفل تكريم طالبات "غِراس"، أكّد عضو مجلس إدارة العتبة العبّاسية المقدّسة الدكتور عباس الدده الموسوي أنّ القراءة تمثّل إحدى الخطوات الأولى في طريق معرفة الله سبحانه وتعالى، مشيرًا إلى رؤية العتبة المقدّسة التي تنظر إلى التعليم بوصفه حقًّا للإنسان واستثمارًا في بنائه. وأوضح أنّ مشروع تعليم الكبار الذي نهضت به شعبة التوجيه الديني النسوي امتدّ إلى المجتمع المحلّي بعد تجربة برنامج "نتعلّم لنحيا" الذي انطلق في العام 2017م، مبيّنًا أنّ هذه الجهود تأتي ضمن رؤية تربوية تستهدف إتاحة فرصة التعليم أمام من لم تُتَح لهم فرصة الحصول عليه في مراحل سابقة. وقصص الطالبات.. الجانب الآخر من التجربة لم تكن شهادات المشاركات في الحفل منفصلة عن واقع البرنامج، فالفيلمان الوثائقيان (من الحرف إلى النور) و(رحلة الأمل لمستقبل أفضل) قدّما جانبًا من تجارب عدد من الطالبات والظروف التي أخّرت تعليمهنَّ، ثم التحوّلات التي رافقت عودتهنَّ إلى مقاعد الدراسة، أظهرت القصص المعروضة كيف أصبحت القراءة والكتابة جزءًا من الممارسة اليومية لدى المشاركات، وكيف تحوّلت الدروس إلى مساحة لاستعادة الثقة بالقدرة على التعلّم، والتفكير في مواصلة الدراسة بدلًا من النظر إلى انقطاع التعليم بوصفه نهاية الطريق. التكريم.. محطّة في مسيرة التعلّم أُقيم حفل التكريم في مجمّع الشيخ الكليني (قدس سره) تحت شعار "امرأة تتعلّم.. مجتمع يتقدّم"؛ ليجمع أكثر من 300 طالبة ممّن شاركنَ في برنامج "غِراس"، بحضور نائب الأمين العام للعتبة العبّاسية المقدّسة السيد محمد علي أزهر، وعضو مجلس إدارتها الدكتور عباس الدده الموسوي، إلى جانب عدد من الشخصيات الأكاديمية والرسمية. وتضمّن الحفل تلاوة آيات من الذكر الحكيم بصوت القارئ عمار الحلي، وقراءة سورة الفاتحة ترحّمًا على أرواح الشهداء، ثم ترديد نشيد العتبة العبّاسية المقدّسة "لحن الإباء"، أعقب ذلك كلمة العتبة المقدّسة وقصيدة للشاعر محمد الياسري. واختُتمت الفعّاليات بتكريم الطالبات تقديرًا لجهودهنَّ ومثابرتهنَّ، في مشهد يعكس حصيلة مرحلة من التعلّم، لكنّه يترك الباب مفتوحًا أمام مرحلة أخرى، فتعلّم القراءة والكتابة لم يعد بالنسبة إلى المشاركات محطّة منفصلة، بل خطوة يمكن أن تقود إلى مزيد من المعرفة والدراسة. وهنا تكمن حكاية "غِراس"، بين نساء لم تمنعهنَّ سنوات الانقطاع عن العودة إلى مقاعد التعلّم، وبين مشروع جعل من الحاجة إلى القراءة والكتابة بدايةً لمسار تعليمي أوسع، تتّسع معه قدرة المرأة على التعلّم، وتكبر معها فرصها في مواصلة الطريق.