تفاصيل الخبر

رقية حيدر قيس: قوة الإرادة في مسابقة "سبيل المنتظرين"

2026-01-23
image

شهدت إحدى قاعات اختبارات مسابقة (سبيل المنتظرين) بنسختها الثالثة، التي تقيمها شعبة الخطابة الحسينية النسوية التابعة لمكتب المتولي الشرعي للشؤون النسوية في العتبة العباسية المقدسة، ترديد رقية كلمات دعاء الندبة بصوتٍ خافتٍ وواثق، فيما كانت الأستاذة تتابع معها سطرًا بعد آخر، وتُدوّن الكلمات على ورقة الاختبار، وتُنصت بدقة لكل لفظٍ يخرج من شفتيها، وفي تلك القاعة، يسود الصمت الذي لا يقطعه سوى صوت الدعاء المتدفّق من ذاكرة فتاةٍ لم ترَ الكلمات يومًا، لكنها حفظتها بقلبها. مشهد الاختبار كان أقرب إلى لوحةٍ حيّة؛ وجوهٌ تتابع بإعجاب مستوى الحفظ والتركيز، وكيف تستعيد رقية عن ظهر قلب كلمات الدعاء، وهي جالسة بهدوءٍ وطمأنينة، كأنها تؤدي طقسًا عباديًا. رقية حيدر قيس، فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، من محافظة السماوة، وُلدت فاقدةً للبصر، ولم تُكمل مسيرتها الدراسية بسبب إعاقتها البصرية، لكنها اختارت طريقًا آخر للعلم والمعرفة، فاتجهت إلى حفظ القرآن الكريم وأدعية أهل البيت (عليهم السلام)، لتكون مشاركتها في هذه المسابقة إحدى ثمار هذا الطريق. وفي عام 2012، فقدت والدها، الذي استُشهد أثناء خدمته العسكرية في مواجهة الإرهاب، لتكبر وهي تحمل ألم الفقد، غير أنها حوّلته إلى دافعٍ قرّبها أكثر من الدعاء والذكر، ورسّخ ارتباطها بأهل البيت (عليهم السلام). حضرت رقية إلى مسابقة (سبيل المنتظرين) برفقة والدتها وأخواتها وأخيها، وجميع أخواتها يعانين من ضعف البصر، إلا أنها كانت الوحيدة التي وُفّقت لحفظ دعاء الندبة كاملًا، معتمدةً على السماع والتكرار، ومتفرغةً لأكثر من عشرين يومًا للحفظ والمتابعة، ضمن المسابقة التي تهدف إلى ترسيخ ثقافة الانتظار الواعي، ودعم النساء معرفيًا وروحيًا، وإتاحة المجال لذوات الهمم للمشاركة الفاعلة. لم تكن مشاركتها بحثًا عن منافسة أو فوز، بقدر ما كانت رغبةً صادقة في التبرك بالمشاركة، وحبًّا وولاءً لصاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، هنا يتجلى معنى البصيرة حين تتقدّم على البصر، والإرادة حين تتغلّب على كلّ العوائق، وتعكس الأثر الإنساني العميق للبرامج التي ترعاها العتبة العباسية المقدسة عبر شعبها النسوية.